السيد محمد تقي المدرسي
63
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
ونصوص الوحي نمطان : قرآن وحديث . أمّا كتاب الله فمعرفته تكون بأنّه كتاب الله سبحانه العزيز الحكيم ، وفضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه ، وأنّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأنّه نزل به الروح الأمين ليكون للعالمين نذيراً ، وأنّه ذِكْر ، وأنّه قد يُسِّرَ للذكر ، وأنّه كتابٌ مبين ، وأنّه بلسانٍ عربي ، وأنّه هدى ، وأنّه رحمة ، وأنّه نور وضياء ، وأنّه ميزان وفرقان ، وأنّ مفتاحه الاستماع إليه بلا حجاب من خشية طاغوت ، أوشهوة جبت ، أو اتباع الضالّين من الآباء ، أو الخوض مع الخائضين ( من المجتمع الفاسد ) أو وسوسة شيطانٍ رجيم ، أو حميّةٍ جاهلية ، وأنَّ آياته بيِّنات لمن يلقي السمع وهو شهيد ، وأنّه موعظةٌ وهدى للمتقين ، وأنّه لا يزيد الظالمين إلا خساراً ولا يزيد الكافرين إلّا طغياناً وكفراً . وهكذا يقرؤه المستضيئون به آناء الليل وأطراف النهار خاشعين ، وإنَّ ناشئة الليل هي أشدّ وطأً لهم وأقوم قيلًا . ومن هنا ، فإنَّ القلب الذي يتزكّى هو مشكاة الكتاب . أمّا من طُبِعَ على قلبه ، أو ران عليه ما اكتسب من الإثم ، يُحْرَم من نوره . أمّا مَنْ زكى قلبه ، وصفت نفسه ، فإنّه بصيرة قلبه ، ونوره الذي يمشي به بين الناس ، وإنّه يقشعر عند تلاوته جلده ثم يلين لذكر الله . « 1 » فإذا عرف الإنسان القرآن كما عرَف أبناءَه ، فإنّه سيكون ذلك إطاراً سليماً لفقه كلماته ، لأنَّ تلك الكلمات إنّما ذُكِرت في سياق ذلك الإطار ومن أجل تلك الأهداف السامية . ولأنَّ القرآن نزل ليكون للعالمين نذيراً ، ولأنَّ الناس يختلفون في مستويات فهمهم وحقول اهتمامهم إختلافاً كبيراً ، فإنَّ رب العزة سبحانه قد أنزل القرآن على سبعة أحرف ، وجعل فيه تخوماً وبطوناً ووجوهاً وأبعاداً . وجعل فيه مُحكماً لمن عرفه ، ومتشابهاً على من قَصُر فهمه عنه ، وجعل فيه ناسخاً ومنسوخاً ، وجعل له مُعَلِّماً عظيماً يتمثل في النبي ( صلى الله عليه وآله ) حيث أمره بأن يتلو على الناس آيات الكتاب ويزكيهم ويعلّمهم ويبيّن لهم ، وجعل من بعده أئمة الهدى ورثةً لعلمه وأئمةً يهدون بأمر الله ، وجعلهم أبواب علم الكتاب ، وجعلهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) عدلًا له حين قال : « إني تارك فيكم الثقلين ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا : كتاب
--> ( 1 ) - في موسوعة " التشريع الإسلامي " جزءان أحدهما ( وهو الجزء الخامس ) تحت عنوان ( ضياء الهدى ) والثاني ( وهو الجزء السادس ) تحت عنوان ( بصائر العلم ) جمع فيهما المؤلف الكثير من الآيات والروايات في منهجية القرآن الكريم في بلوغ العلم والهدى .